تُعبّر العمارة بمعناها الشامل عن علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقته بالطبيعة. فهي كأي حرفة عظيمة، فن شفاف وصادق يُفصح من خلال مآثره عن تقاطع تلك العلاقات ويدل على مقدار احترامها وفهمها. فالعمارة على المستوى الجمعي هي التجسيد المادي لحضارة الشعوب، وبالمعنى الفردي هي مقدار حساسية المبدع لالتقاط معطيات المحيط وإحالتها إلى فراغ وظيفي وجمالي. فالفنون التقليدية بمجملها هي انفعال وتعبير مستمر مع المحيط المباشر وانسجام مع الحيز الكوني الكبير. ترتكز الفنون والعمارة الإسلامية التقليدية على مبدأ صياغة صور أرضية عن النموذج الأصلي: وهو الفردوس بحالته المثالية المجردة والإيحائية - فالشكل بالمعنى التقليدي يتبع للنماذج الأصلية أو للحالة المثال - من خلال تقليد له «قوانين كونية عميقة وموضوعية يمكنها أن تتجسد في احتمالات لا نهائية» وحيث أن تلك القوانين المتوارثة والممتدة غير معنية بالنزعات الفردية ولا محصورة بالعصر، فإنها تسمح للمعماريين والحرفيين أن يحققوا الوحدة والتنوع في مقاصدهم الفنية بطريقة فطرية تكاد تغيب تمامًا عن عالم العمارة الحديثة المنشغلة بهاجس التجديد والمزامنة.
نسعى من خلال عملنا إلى تكوين مباني مرتبطة أولاً وأخيرًا بالمكان ونابعة منه تنسجم مع عوامل المحيط وتعبر عنها. فالعمارة التقليدية تنظر للأشكال على أنها تفاعل ينمو عضويًا، تحكمه مبادئ ديناميكية، تستوعب على نحو تلقائي الظروف المعاصرة أيًا كان الزمان والمكان من خلال الفهم والتطبيق السليمين لمبادئها. وبهذا يمكن أن تؤسس آلية للتقدم وحاضنة للمعرفة الجمعية تعمل على كل المستويات الإنسانية: الروحية والثقافية والجمالية والاقتصادية، والوظيفية. نطمح إلى صناعة أعمال تتجاوز لحظتها الآنية أو تصنيفات الأزمنة والطرز؛ مبانٍ تحقق الجمال في التناغم مع محيطها الطبيعي واحترام نظامه. فالتكوين الفراغي الخارجي والداخلي للشكل هو تجسيد مباشر للإمكانيات الفيزيائية لمادة البناء، وبالتالي فإن طبيعة المواد المتوفرة من حيث تحملها لقوى الضغط والشد هو المكون الأساسي لاحتمالات الجدران والأسقف الحاملة من خلال علاقات هندسية ورياضية تضبط وتحقق تلك الأشكال. وعليه، فإن الفراغات التقليدية ليست مجالاً للتعبير عن الذوق الشخصي البحت، إنما تتعلق دائمًا بما تعنيه العمارة في حالتها البيئية والجمعية. فالمعماري مجرد وسيط فائق الحساسية ما بين الإنسان وطبيعة المكان أو ما بين الطبيعة بحالتها الخام والبناء كانفعال إنساني بصيغته ومعناه النهائي، وذلك من خلال حالة من التوقٍ المستمر إلى تجاوز محدودية الذات أو الفرد المبدع. فالإبداع على المستوى التقليدي يتعلق بالتقاط أنماط تعبير الإنسان - عبر التاريخ - عن نظرته لنفسه وللكون من خلال الهيكل المعماري. فهو يكمن في الإضافة البسيطة إلى سلسلة ممتدة من إنجازات الماضي في محاولة لاستقراء وصناعة مستقبل متوازن ومستدام.
فكما أن التنوع الطبيعي على هذا الكوكب قائم على اختلاف شروط ومعطيات المكان، فإنه لكلٍ تعبير نابع من تفاعل الإنسان مع تلك المعطيات والشروط مكوناً بذلك - عبر حركة الزمن - ثقافة المكان؛ أي جميع حاجات الإنسان من زراعة و صناعة وموسيقى وشعر وقانون ومأكل وعمارة خاصة بروح المكان. وهنا تكمن الأسئلة الهامة: ما هو أفضل تجسيد لاحتمالات المبنى ضمن سياقه، آخذاً في الاعتبار الناحية الرمزية للإنسان والمادية للمكان. وكيف يمكن أن ينمو المبنى بطرق منسجمة مع مقدرات المجتمع والطبيعة لتحقق العمارة معناها وأثرها الكامل في الحضارة الإنسانية.